الحسن الهمداني ( ابن الحائك )

140

الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير

يقول بهذا الخبر يرى أنه [ بعث ] « 1 » إلى سبأ بمأرب « 2 » ، فلما كذبوه ، أرسل اللّه عليهم سيل العرم « 3 » . قال ابن هشام « 4 » : هو حنظلة بن صفوان بن الأقيون ، نبيّ الرس ، والرس بناحية صيهد ، وهي بلدة منخرقة ما بين بيحان ومأرب والجوف ، فنجران فالعقيق فالدهناء فراجعا إلى حضرموت « 5 » . ذهب فيها قطار بعهدنا فيه سبعون محملا من حاج الحضارم ، صادرين من

--> ( 1 ) لفظ « بعث » ساقط من الأصل ومن « م » وأثبتناه من « ق » . ( 2 ) مأرب بالهمزة وتركها ، والمشهور في ألسنتنا اليوم معاشر اليمنيين ترك الهمزة ، وهو الفردوس الضائع وأحد عجائب الدنيا القديمة وجناتها الدانية والبقعة الطيبة المباركة ومكان الجنتين وذات الحضارة الباهية الباهرة والزاهية الزاهرة التي أخجلت الدهر وبهرت اليونان والرومان وسبقت أمريكا في ناطحات السحاب وبناء السدود . وهي اليوم خرائب وأطلال تندب مجدها وسالف أيامها النضرات وتقع في الشرق الجنوبي من صنعاء بمسافة ثلاثة أيام ( انظر الجزء الثامن من الإكليل وما كتب عند الرومان واليونان والمعاصرين المستشرقين الذين كشفوا لك عن كنز ثمين وجوهرة ثمينة وذخيرة عصماء وأنت في سبات عميق ) . ( 3 ) العرم : معروف عندنا معاشر اليمنيين وهو البناء المرصوص المتلاحك من الأحجار الضخمة يعترض بها كالسد ، وقاية عادية السيل أو لانحباس مياه الأمطار لري الأرض أو خوف اندحاقها . وسيل العرم هو الذي اجتحف سد مأرب وأزال العرم الذي كان بين الصدفين ، وقد ذكره اللّه في سورة سبأ ، ولا يذكر إلا عظيما ، وبسبب خراب السد تفرقت قبائل اليمن وضرب المثل في ذلك فيقال « تفرقوا أيدي سبأ » . ( 4 ) ابن هشام : لعله عبد الملك بن هشام المعافري ، الحميري ، المصري ، صاحب السيرة المشهورة بسيرة ابن هشام ، وهو عالم ضليع في علم الأنساب والسير والنحو وله كتاب في أنساب حمير وملوكها وكتاب في شرح ما وقع في اشعار السيرة من الغريب ، توفي بمصر سنة 213 ثلاث عشر ومائتين ، وقيل : سنة 218 « الوفيات ج 2 ص 349 » . أو أنه محمد بن هشام الكلبي . ( 5 ) هذه أماكن وأصقاع ينبغي أن نوقف القارئ على موقعها الجغرافي من اليمن ، إذ هي منها ولا تزال محتفظة بأسمائها هذه إلى الغاية ، وقد سبق الكلام على مأرب والجوف ونجران ، وبقي الكلام على ما عداها ، فصيهد : هي المفازة المعروفة لدينا معاشر اليمنيين كما وصفها المؤلف قبل ألف سنة يقدمون الهاء على الياء فيقولون صهيد والأعراب المجاورة ، التي تطل جبالها عليها كمذحج وخولان العالية يتبخثون بنوئها ويتيامنون إذا أنشئت السحب من قبلها أو لمع البرق من جهتها ، فإنه سرعان ما يمطرون ، حتى أن بعض الأعراب خال المطر ليلا من بعد على محله فقال : بارق برق صهيدي . كسر رقاب الصيد ذهب عني تمامه ، فذهبوا عند منبلج الصبح فوجدوا الوحوش والصيد صرعى متناثرة هنا وهناك من شدة وكثرة المطر ودخول السيول إلى أوجارها . وانظر صيهد في « صفة جزيرة العرب » بإخراجنا ص 150 . وصيهد أيضا بلد من الحدأ . وبيحان : مخلاف من مخاليف اليمن بين حضرموت ومأرب ، ويقال له بيحان القصاب ، وحاضرته مدينة بيحان ، وتقوم في سهل فسيح متفتح الأرجاء طلق الهواء وعليها سور وتعد اليوم من النواحي التسع ، وبها أودية عظام تزرع النخيل والقضب الجيد وسائر الحبوب ، لا سيما إذا نزلتها السيول ، وماؤها من آبار -